الهجومات التي صارت اليوم على هياكل الغنّوشي لم تأتي من فراغ حتّى لو كان من بين مرتكبيها من له نيّة سوداء فمسيرة الغنّوشي من يوم عاد لتونس لليوم عليها غبار كثيف من المواقف المريبة أضرّ بها حزبه وبلده وشعبه.
سأبدأ من قبل البداية..
عندما خرج النّاس لإعتصام القصبة الثّاني لطرد محمّد الغنّوشي والمطالبة بمجلس تأسيسي بما نتج عنه من إستخراج الباجي قائد السّبسي من سباته لم يخرج أحد من "كبار" القوم لينبّه لخطورة هذا المخلوق على الثّورة وعلى رأسهم راشد الغنّوشي نفسه (أذكره بالخصوص لسبب سأذكره آخر هذه التّدوينة) وهم من هم علما بخفاياه وماضيه وإنتمائه.
قبل الإنتخابات التّأسيسية وحتّى لا يقع التّلاعب بها بإختصاصات السبسي التي جُبل عليها وحتّى يضمن الغنّوشي له ولحزبه نصيب مقبول من نتائج الإنتخابات عقد إتّفاقا خلويّا مع السبسي وعده فيه بالرّئاسة وتزكيتها لصالحه في المجلس التّأسيسي.. وأخلف بوعده.
وبسبب ذلك صار السبسي خصما خطيرا للغنّوشي وكلّ ما حدث حتّى إنتخابات 2014 هو إنتقاما سبسويّا من الغنّوشي فيه ترهيب وفيه ترغيب لأنّه يعلم ثقل حركة النّهظة وأنّه بدونها لن يتمكّن من الوصول للرّئاسة لذلك بمبدأ العصا والجزرة هيّأ الأرضيّة لإتّفاق آخر وقع في باريس أمام شهود وسمّي بإتّفاق الشّيخين يلبّي طموحاتهما.
قبل ذلك، وخلال فترة التّأسيس التي لم يؤسّس فيها شئ عدا دستور هزيل في آخر المطاف بين التّجاذبات والهزّ والنّفض صنعه ذوي الإختصاص من مصّاصي الدّماء ولم يكن لمن عليه مهمّة إنجازه الفخر إلاّ في الإعتراف به لقيطا شرعيّا ووصفوه بأنّه أحسن دستور ولد للنّاس مع أنّه إبن قمامة، قبل ذلك كفر الغنّوشي بالمطالب الشّعبيّة التي من أجل تنفيذها أوصل النّاس مرشّحي حركة النّهضة للحكم وأهمّها تحصين الثّورة وحمايتها من الإنتهازيين وشرعنة قانو يجرّم التّطبيع مع الكيان الصّهيوني ومحاسبة المنظومة القديمة الفاسدة والقصاص ممّن يستحقّ القصاص ولكنّ الغنّوشي له رأي آخر.
إختار الخضوع لكلّ القوى الشّرّيرة داخليّا وخارجيّا وتجاهل القوّة الأعظم التي هي الوحيدة القادرة على حمايته وحماية حزبه وهي التي سلّمت له ثورتها أمانة فلا هو صانها ورعاها ولا هو، إن أحسّ أنّه غير قادر، أعادها لأصحابها بإنتخابات مبكّرة فبل فوات الأوان.
إختار الخضوع بدعوى التّسامح حتّى تبقى هيبة السّلطة تضلّله ولا تهمّ الخسائر.
ومرّت فترة السبسي عاشها الغنّوشي شاهد زور فيها بدون مبادئ ولا قيم يصنع في المزيد من معانات النّاس متعلّلا بالعصيّ والعجلات وبالأمن والأمان وبالتّوافق والوفاق ليغطّي عورته إذا كان لديه حسّ بأن عورته مكشوفة أصلا فالوقائع تشير بأنّه والإحساس لا يلتقيان.
سنة 2019 بعد رحيل السّبسي خرج عاينا الشّيطان بهيأة الواعظين التّائبين وأخبر أنّه كان مضطرّا وأنّه قد تحرّر من قبضة إبلبس الوقت الآن وقت عمل فلا توافق مع الفساد بعد اليوم ولا تخاذل في تحقيق أهداف الثّورة بعد اليوم ولا كذب بعد اليوم ولا نفاق بعد اليوم وأطربنا بالصّوت والصّورة كما فعل قبله عبد الوهّاب: دقّت ساعة العمل الثّوري لكفاح الأحرار.. تعلن زحف الوطن العربي بطريقه الجبار.. والثّوار همّ الشّعب والأحرار همّ الشّعب.. وعارفين المشوار.
ولكنّ حليمة (قد يكون من أسماء الغنّوشي) عادت لعادتها القديمة فور إغلاق صناديق الإنتخاب ورجعت مياه الصّرف للبلاليع وإنقطع عنّا الغيث النّافع.
من عواميد المنطق والسّياسة أن يكون رجال الحكم صورة لشعبهم إلاّ عندنا، فمنتجاتنا من السّاسة مجموعة إنتهازيّة مصالحها فوق مصالح الجميع وصورتهم تتناقض مع صورة النّاس ولو كان من وراء الغنّوشي بذرة أمل ما تغيّر حاله بعد الثّورة لهذا الحال، تكرّش والشّعب يجوع وتناسقت أسنانه والشّعب يتشتّت وتكستم والشّعب يتعرّى تعدّدت نظّاراته والشّعب يتحسّس طريقه في المتاهات.
كانت حركة النّهضة أملا جماهيريّا للتّغيير فساندتها ودعّمتها وأعلت رأسها وفوّضت لها مستقبلها وجعلتها وليّة لأمرها ولكنّ الغنّوشي قبل أن يسيئ لبلاده أساء لحركته وأساء لمريديه فأصابه الخزي ولعنة اللاعنين وقد ذكرته دون غيره فيما قبل البداية في مسألة إعتصام القصبة 2 لهذا السّبب فعندما يُعتدى على طفل أمام خلق الله ومن بينهم والده ولا يتدخّل أخد لإنقاذه فاللوم الأشدّ يكون للوالد قبل جمهور الحاضرين.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق